عثمان بن جني ( ابن جني )

106

الخصائص

كانت حركة الحرف تحدث من بعده لوجب أن تكون النون المتحرّكة أيضا من الأنف . وذلك أن الحركة إنما تحدث بعدها ، فكان ينبغي ألا تغنى عنها شيئا ؛ لسبقها هي لحركتها . كذا قال - رحمه اللّه - ورأيته معنيّا بهذا الدليل . وهو عندي ساقط عن سيبويه ، وغير لازم له . وذلك ( أنه لا ينكر ) أن يؤثّر الشئ فيما قبله من قبل وجوده ؛ لأنه قد علم أن سيرد فيما بعد . وذلك كثير . فمنه أن النون الساكنة إذا وقعت بعدها الباء قلبت النون ميما في اللفظ . وذلك نحو عمبر وشمباء ، في عنبر وشنباء ؛ فكما لا يشكّ في أن الباء في ذلك بعد النون وقد قلبت النون قبلها ، فكذلك لا ينكر أن تكون حركة النون الحادثة بعدها تزيلها عن الأنف إلى الفم . بل إذا كانت الباء أبعد من النون قبلها من حركة النون فيها وقد أثّرت على بعدها ما أثّرته كانت حركة النون التي هي أقرب إليها ، وأشدّ التباسا بها ، أولى بأن تجذبها وتنقلها من الأنف إلى الفم . وهذا كما تراه واضح . وممّا غيّر متقدّما لتوقّع ما يرد من بعده متأخرا ضمهم همزة الوصل لتوقعهم الضمّة بعدها ؛ نحو : اقتل ، ادخل ، استضعف ، اخرج ، استخرج . وممّا يقوّى عندي قول من قال : إن الحركة تحدث قبل الحرف إجماع النحويين على ( قولهم ) إن الواو في يعد ويزن ونحو ذلك إنما حذفت لوقوعها بين ياء وكسرة . يعنون : في يوعد ويوزن ( ونحوه ) ( لو خرج على أصله ) . فقولهم : بين ياء وكسرة يدلّ على أن الحركة عندهم قبل حرفها المحرّك بها ؛ ألا ترى أنه لو كانت الحركة بعد الحرف كانت الواو في يوعد بين فتحة وعين ، وفي يوزن بين فتحة وزاي . فقولهم : بين ياء وكسرة يدلّ على أن الواو في نحو يوعد عندهم بين الياء التي هي أدنى إليها من فتحتها ، وكسرة العين التي هي أدنى إليها من العين بعدها . فتأمّل ذلك . وهذا وإن كان من الوضوح على ما تراه فإنه لا يلزم من موضعين : أحدهما أنه لا يجب أن تكون فيه دلالة على اعتقاد القوم فيما نسبه هذا السائل إلى أنهم